أهمية بيئة العمل الجاذبة

التقيت اليومين الماضية بشخصين لهم باع طويل في المجال الطبي

الشخص الأولى

رئيس قسم الأبحاث في أحد مراكز الأروام الشاملة والمتقدمة في الولايات المتحدة

عندما قلت له أنني من السعودية، قال بلدك هي بلدي، انا مسلم واتمنى من اعماق قلبي ان اخدم بلد مثل السعودية. وبدأ يحكي لي قصته في عالم الأبحاث وقصته في تأسيس مركز للأبحاث المتعلقة بالأورام في إحدى دول الخليج وعودته للولايات المتحدة بعد ذلك لأن ابنائه واحفاده مقيمين فيها

 قال: أنا شارفت على التقاعد، أتمنى يا ولدي عندما تعود إلى بلدك أن لا تستخسر الوقت والمجال والمجهود في بناء بلدك. كم كنت أتمنى ان اجد فرصة لديكم للعطاء في بلد الحرمين الشريفين.

استوقفني كلامه جدا حيث لم يكن هذا الشخص أول شخص يعبر لي عن رغبته في العطاء في بلد الحرمين. بدأت أسال نفسي، كيف لنا أن نتيح لمثل هؤلاء ممن عندهم التجربة العميقة والخبرة الطويلة والرغبة الصادقة في العطاء والبناء في بلد الحرمين الشريفين. اسئلة كثيرة دارت في بالي. بدأ يتحدث معي عن الأبحاث التي عملها، وكيف أنه يقرر العمل على فكرة ويبدأ البحث عنها وتكوين خطه بحثيه ثم يقوم في معمله وبمساعدة الباحثين تحت اشرافه بالعمل عليها. كان يتكلم بشغف وحماس الشباب على الرغم ان الشيب قد غطى رأسه بل وشعر عينه ايضا. شعرت حينها، مثل هؤلاء، كل ما تحتاج أن تقدم له هو بيئة جاذبة يرى فيها افكاره تتنفذ وابحاثه تُعمل ويعطى الوقت الكافي لكي يعمل على هذه الأفكار كيفما يشاء في بيئة لا تحاربه أو تشحنه سلبيا بأمور تافهة تعكر صفو عمله. 

الشخص الثاني

طبيب قلب (تدخلي) يعمل في احد مراكز القلب في الولايات المتحدة

الطبيب هذا اعمل معه حاليا. على الرغم  انه هو الأخر في الستينات من عمره. إلا أنك تراه يحب عمله ويستمتع فيه. تعجبت كيف له في هذا العمر ان تجده مطلعا ومستمتعا بما يعمل. يشرح لي الأشعة الخاصة بالقلب بكل استمتاع وتريث ويتأكد أني فهمت مقصوده ومتبغاه. ويشاركني كيف يحاول أن يكتشف طرق جديدة في الإجراءات التدخليه المختلفة وكيف يعالج امراض الصمامات بالتدخل الغير جراحي عن طريق القسطرة. لازلت أعمل معه الأياه هذه، لاحظت أن البيئة التي يعمل فيها بيئة لا تشتت انتباهه بسفاسف الأمور. فلا احد يجبره على رؤية مرضى خارج تخصصه ولا أحد يقطع حبل افكاره بامور تافهة. وتراها يتواصل مع الجهات البحثية والجهات الداعمة لينمي افكاره وتجد الحماس من الجهات الداعمة لتبني افكاره بالذات من قبل الشركات الطبية والتي تهدف للربح المادي ولكنه هو الأخر يهدف لإيجاد دعم لأفكاره من أجل خدمة مرضاه. تعلمت من خلال العمل معه أن البيئة عامل مهم للإبداع وان الدعم عامل أخر مهم لكي تتحول افكارنا إلى خدمة نستطيع ان نقدمها لمرضنا وفي حال عدم وجود هذه البيئة او انعدام هذا الدعم فمن الصعب الإبداع والتميز في خدمة مرضانا.

تعلمت من الكلام أعلاه أنه يجب أن نسأل: لماذا البيئة في بعض الأماكن لدينا طاردة؟ كيف من الممكن أن نجعلها جاذبة؟ كيف لنا أن نوظّف القطاع الخاص والقطاع الحكومي في دعم الأبحاث والتميز؟ كيف لنا أن نوّظف أهل الخير والراغبين في العطاء والصدقة والوقف في دعم مؤسساتنا علميا وبحثيا؟ أسئلة يجب على الراغب مننا في تطوير بلدنا المشاركة في الإجابة عليها لكي نعلو بأنفسنا وأهلنا ووطننا.

٢٠ سبتمبر ٢٠١٨

 


العودة للقائمة الرئيسية